ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

275

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

فقولها « بمذمومة الأخلاق واسعة الحر » من المقابلة البعيدة ، بل الأولى أن كانت قالت « بضيقة الأخلاق واسعة الحر » حتى تصح المقابلة . وهذا مما يدل على أن العربيّ غير مهتد إلى استعمال ذلك بصنعته ، وإنما يجيء له منه ما يجيء بطبعه ، لا بتكلفه ، وإذا أخطأ فإنه لا يعلم الخطأ ، ولا يشعر به ، والدليل على ذلك أنه لو أبدلت لفظة مذمومة بلفظة ضيقة لصح الوزن ، وحصلت المقابلة ، وإنما يعذر من يعذر في ترك المقابلة في مثل هذا المقام إذا كان الوزن لا يواتيه . وأما المحدثون من الشعراء فإنهم اعتنوا بذلك خلاف ما كانت العرب عليه ، لا جرم أنهم أشدّ ملامة من العرب . فمن ذلك قول أبي الطيب المتنبي « 1 » : لمن يطلب الدّنيا إذا لم يرد بها * سرور محبّ أو مساءة مجرم « 2 » فإن المقابلة الصحيحة بين المحب والمبغض ، لا بين المحب والمجرم ، وليست متوسطة أيضا حتى يقرب الحال فيها ، وإنما هي بعيدة ؛ فإنه ليس كل من أجرم إليك كان مبغضا لك .

--> ( 1 ) هو من قصيدة له يمدح فيها كافورا الإخشيدي ، وأولها قوله : فراق ومن فارقت غير مذمّم * وأمّ ومن يمّمت خير ميمّم ( 2 ) رواية الديوان التي شرح عليها العكبري : لمن تطلب الدّنيا إذا لم ترد بها * سرور محبّ أو مساءة مجرم والخطاب والغيبة جائزان لا على جهة الالتفات فحسب ؛ بل لأن فيما قبل البيت خطابا وغيبة فهو بأحد الوجهين يطابق أحد السابقين ، وما قبله هو قوله : قد اخترتك الأملاك فاختر لهم بنا * حديثا ، وقد حكّمت رأيك فاحكم فأحسن وجه في الورى وجه محسن * وأيمن كفّ فيهم كفّ منعم وأشرفهم من كان أشرف همّة * وأكبر إقداما على كلّ معظم